التطوير العقاري في المملكة.. السهل الممتنع
التطوير العقاري في المملكة.. السهل الممتنع
إبراهيم العساف
طالما تكلم الجميع صغارا وكبارا مسؤولين وخبراء عن مشكلة توافر المساكن في السعودية بشكل عام وفي المدن الرئيسة بشكل خاص . فلماذا هذا الجمود في الحركة الإنشائية المتعلقة بالمساكن؟
الوضع الطبيعي والمفترض في أي دولة تعيش اقتصادا متوازنا أن يكون هناك وحدات سكنية أكثر من الطلب الفعلي بقليل، حيث إنه هناك دائما حاجة لتغيير المسكن بسبب تغير الوضع الاجتماعي أو عدد أفراد الأسرة ناهيك عن الزيادة الجديدة في الطلب الناتجة من النمو السكاني.
حسنا.. إذا أصبح النقص الحاد في الوحدات السكنية.. حقيقة ملموسة ومصدر قلق لفئة كبيرة من المجتمع السعودي، إذا لا بد من السؤال عن السبب الفعلي وراء هذا التباطؤ في بناء الوحدات السكنية، لماذا لا نرى مشاريع كما التي يعلن عنها في بعض دول الخليج لتطوير ألف وحدة سكنية وأكثر في المشروع الواحد؟
يبدو أن عدم نضج سوق التطوير العقاري لدينا أدى إلى علاقة غير متكافئة بين أركانه الأساسية. ومن المعلوم أن سوق التطوير العقاري له ثلاثة أركان أساسية وهي العميل والمطور والممول. العميل هو الطلب وهو أبرز ما يميز سوقنا العقارية، حيث إن الطلب موجود وعال. إذا المشكلة موجودة عند المطور أو الممول أو كليهما. لنجاح التطوير العقاري يجب أن تكون علاقة المطور بالممول علاقة استراتيجية ومتينة وإذا تأثرت هذه العلاقة لأي سبب فإن النتيجة تنعكس مباشرة على النشاط التطويري. ومن يتابع الساحة العقارية وسير المشاريع لدى القطاع الخاص يبدو له بكل وضوح أن المشكلة الأساسية هي التمويل العقاري وأن عجز المطور هو بسبب غياب الممول. والدليل أن هناك شركات تطوير عالمية أثبتت نجاحها في الخارج دخلت السوق السعودية والآن هي تعاني تعثرا في مشاريعها بسبب التمويل. نحن لا نبالغ إذا قلنا لا يوجد لدينا تمويل عقاري. إذا فالسبب في نقص الوحدات السكنية هو الشلل التام لركن من أركان التطوير العقاري ألا وهو التمويل العقاري.
التمويل العقاري بمنتجاته المختلفة هو المحفز الفعلي لتنشيط حركة البناء لما يوفره من سيولة مؤقتة للمطور إلى حين بيع الوحدات السكنية. ومما لا شك فيه أن الكسل التشريعي هو من أهم أسباب عدم تطور منتجات التمويل العقاري. السيولة موجودة (أو كانت موجودة) ولكن البنوك دائما مترددة لتمويل المشاريع العقارية أو المستثمر العقاري بسبب عدم كفاءة التشريعات في إعطاء الحماية الكافية للممول. أحد أبرز الأمثلة للكسل التشريعي في هذا الخصوص هو نظام الرهن العقاري الذي يعد الأساس التشريعي في مسألة التمويل العقاري ومنذ قرابة نصف عقد ونحن في انتظار صدوره كل يوم. مثال آخر هي الأنظمة التشريعية المتعلقة بشركات التمويل العقاري، وذلك لا شك له علاقة أيضا بهروب الاستثمارات العقارية إلى دول خليجية وعربية مجاورة.
قد يقول البعض إنه في ظل الأزمة الحالية فرص التمويل أصبحت أكثر تعقيدا في جميع أنحاء العالم خصوصا تمويل العقار.. هذا صحيح.. ولكن لا ننسى أنه في قمة الانتعاش الاقتصادي العالمي والمحلي المشاريع السكنية لم تواكب ذاك الانتعاش إطلاقا.
وأخيرا علمنا أن هناك مشكلة وتطرقنا للأسباب المحتملة للمشكلة، لذا يجب التحرك بوضع الحلول السريعة لأن المسألة ليست مسألة بناء منزل والسلام ولكن الأمر يتعلق بالاستقرار الاجتماعي والأمني لبلدنا الحبيب. وحل هذه القضية لا يكون من خلال العمل خلف أبواب مغلقة لكل جهة معينة ولكن بأخذ رأي كل من هو معني بهذه القضية. لذا نتمنى أن يكون هناك ورش عمل تناقش فيها المعوقات التي تحول دون توافر المساكن بالشكل الذي يتلاءم مع قدرة الشريحة العظمى من المواطنين. هذه الورش يجب أن تضم جميع الجهات ذات العلاقة مثل وزارة المالية ووزارة الشؤون البلدية والقروية والبنوك والمطورين وشركات التمويل العقاري، حيث إنه فقط هذه الجهات مجتمعة تستطيع أن تصل إلى جذور المشكلة ونضع لها الحلول المناسبة.
|